الأحد، 13 أكتوبر 2013

في ضيافة جبهة النصرة

عبد القادر الهويدي هنا أمستردام – لم تكن الرقة كمعظم لياليها تشهد معارك ضارية بين الثوار وعناصر الفرقة السابعة عشر التابعة لقوات الأسد، ولم تكن هذه الفرقة كعادتها عندما تتعرض لضغط عسكري من قبل الثوار ترد بقصف المدينة التي لا تبعد عنها أكثر من ثلاثة كيلو مترات. في الواحدة صباحاً من تلك الليلة الخريفية كانت الاشتباكات بين ‘داعش’ و ‘جبهة النصرة’، و’داعش’ كما يسميها السوريون تعني اختصاراً ‘لدولة الإسلام في العراق والشام’، وهي تنظيم جهادي أمراؤه أجانب، وكذلك أكثر عناصره يرتبط بالقاعدة، مقره الرئيسي في العراق ودخل إلى سوريا في الربع الثاني من العام الجاري. أما ‘جبهة النصرة’، فهي تنظيم جهادي أيضاً ولكن يختلف عن ‘داعش’ بكونه أكثر اعتدالاً ويعتبره السوريون تنظيما إسلاميا ليبراليا مقارنة بـ ‘داعش’ الذي لا يمتلك بيئة حاضنة في مدينة الرقة التي تقع في الشمال السوري على بعد 160 كم شرق مدينة حلب.


في تلك الليلة كنت في أحد مقاهي الإنترنت التي انتشرت بكثرة في المدينة بعد تحريرها من قوات الأسد منذ قرابة سبعة أشهر، وأثناء توجهي إلى منزلي الذي يقع على الأطراف الشرقية للمدينة في منطقة تنتشر فيها حواجز جبهة النصرة، أوقف رجل سيارة الأجرة التي تقلني إلى المنزل. كان رجلاً بديناً ملتحيا ذو بشرة سمراء اللون ويلف على رأسه لفافةً سوداء، ألقى التحية علينا فرددنا بمثلها، سألني عن بطاقتي الشخصية فأعطيته جواز السفر، فقال : أنا طلبت بطاقتك الشخصية وليس جواز السفر. قلت له: أنا لا أملك بطاقة شخصية ، فسأل: وأين هي؟ فأجبت: أنا عسكري منشق عن قوات النظام لذلك ما زالوا يحتفظون ببطاقتي الشخصية. فسأل بلهجة المُتَهِم: ومنذ متى قمت بالانشقاق عن قوات الأسد؟ فأجبته بلكنة المستنكر: قبل أن تنتسب لقوات الجيش الحر أنتَ. فقال غاضباً: انزل من السيارة إذاً.


نزلت من السيارة التي انصرفت فوراً واتصل هو بزملائه ليأخذوني إلى التحقيق. في انتظار الدورية التي ستقلني إلى المقر الذي سيحققون فيه معي، خمس دقائق على قيد الانتظار، لم يتحدث معي ذلك المقاتل أبداً، لا بل لم ينبس ببنت شفة حتى مع زملائه، أخيراً وصلت الدورية ونزل من السيارة شاب، طويل، نحيل، ملتحي في العقد الثاني من عمره موجهاً كلامه لي: تفضل معي إلى السيارة لو سمحت. فسألته: أين الكلبشات؟ وهي المقابض التي تقيد الأيدي والأرجل لحظة الاعتقال، فقال مستغربا: الله يسامحك يا شيخ.


لم يكن الطريق بعيداً على سرعة السيارة، دقائق معدودة وكنا في مقر التحقيق، يجلس أمام المقر مجموعة من الرجال تربطهم قواسم مشتركة كثيرة منها: اللحية الطويلة والرداء الذي يتعدى طوله الركبتين بقليل وبنطال فضفاض وتلك اللفة السوداء على روؤسهم جميعاً. أخذني أحدهم إلى غرفة التحقيق، ألقيت التحية على المحقق الذي يرتبط مع جميع زملائه بذات القواسم المشتركة التي ذكرتها سابقاً، رد التحية ودعاني للجلوس على مقعد مجاور لمقعده الذي كان سابقاً لرئيس قسم في مستوصف حكومي، قال لي: افتح لي لابتوبك‘ يا شيخ. باستنكار أجبته: أنت الشيخ، أنا لست شيخاً، بإمكانك مناداتي باسمي الذي تراه الآن في جواز سفري الذي بين يديك. مبتسماً قال: كما تريد يا عبد القادر، عندما يقول كلمة شيخ هو لا يقصد الرجل المسن بل الرجل الملتزم بتعاليم دينه.


فتحت (لابتوب) وطلب مني أن أوريه الصور ومقاطع الفيديو، قلت له: هذا غير ممكن، هناك صور ومقاطع فيديو خاصة بالعائلة ولا يمكن أن أريك إياها. فقال: إذن أرني الصور العامة التي لا تخص عائلتك. استعرضت الصور أمامه وظهر في الكثير منها علم الاستقلال وهو رمز الثورة منذ بدايتها، توقف عند آخر صورة لعلم الثورة وقال: لماذا لا أرى رايتنا من بين هذه الصور؟ ويقصد هنا راية الجهاد السوداء المكتوب عليها (لا إله إلا الله) فسألته: وهل فرض عين أن أضع رايتكم في لابتوبي. ضحك وقال: لا أبداً ليس فرض عين. أثناء ذلك دخل أحد زملائه وقال له ثلاث كلمات: يا شيخ الرجل معروف.


سألني المحقق: لماذا لم تحصل على وثيقة انشقاق التي تصدرها الهيئة الشرعية؟ أجبته: لأني لا أعترف بشرعية الهيئة الشرعية. اعتذر المحقق مني إذا بدت أي إساءة من قبله أو من قبل عناصر الحاجز أو عناصر الدورية، والحقيقة لم تبد من أحدهم أي إساءة بل على العكس كانُوا في أقصى درجات الانضباط والاحترام أثناء تعاملهم معي.


‘يا شيخ الرجل معروف’، كلمات ثلاث أثارت التساؤل في نفسي، لم أعلم هي من مصدر استخباراتي أم جغرافي؟ فالعناصر التي رأيتها تلك الليلة وهي تابعة لـ ‘جبهة النصرة’، وسائق التاكسي الذي انصرف فوراً بعد نزولي من سيارته أمام الحاجز، وأنا، جميعنا أبناء تلك المدينة الصغيرة الغافية على كتف الفرات.





0 التعليقات:

إرسال تعليق